الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
493
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عن صحة العلم والقدرة . بل عبارة عن كمال الشيء في جنسه ، قال تعالى : فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها * [ الجاثية : 5 ] ، وحياة الأشجار إيراقها . فالصفة المسمّاة - في عرف المتكلّمين - بالحياة سمّيت بذلك لأنّ كمال حال الجسم أن يكون موصوفا بها ، فالمفهوم الأصلي من لفظ الحيّ كونه واقعا على أكمل أحواله وصفاته » . والمقصود بوصف اللّه هنا بالحيّ إبطال عقيدة المشركين إلاهية أصنامهم التي هي جمادات ، وكيف يكون مدبّر أمور الخلق جمادا . والحيّ صفة مشبهة من حيي ، أصله حيي كحذر أدغمت الياءان ، وهو يائي باتفاق أئمة اللّغة ، وأما كتابة السلف في المصحف كلمة حيوة بواو بعد الياء فمخالفة للقياس ، وقيل كتبوها على لغة أهل اليمن لأنّهم يقولون حيوة أي حياة ، وقيل كتبوها على لغة تفخيم الفتحة . والقيّوم فيعول من قام يقوم وهو وزن مبالغة ، وأصله قيووم فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمتا ، والمراد به المبالغة في القيام المستعمل - مجازا مشهورا - في تدبير شؤون الناس ، قال تعالى : أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [ الرعد : 33 ] . والمقصود إثبات عموم العلم له وكمال الحياة وإبطال إلاهية أصنام المشركين ، لأن المشركين كانوا يعترفون بأن مدبّر الكون هو اللّه تعالى ، وإنّما جعلوا آلهتهم شفعاء وشركاء ومقتسمين أمور القبائل . والمشركون من اليونان كانوا قد جعلوا لكل إله من آلهتهم أنواعا من المخلوقات يتصرّف فيها وأمما من البشر تنتمي إليه ويحنأ عليها . وجملة لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ مقرّرة لمضمون جملة « اللّه الحيّ القيوم » ولرفع احتمال المبالغة فيها ، فالجملة منزّلة منزلة البيان لمعنى الحي القيوم ولذلك فصلت عن التي قبلها . والسّنة فعلة من الوسن ، وهو أول النوم ، والظاهر أنّ أصلها اسم هيئة كسائر ما جاء على وزن فعله من الواوي لفاء ، وقد قالوا وسنة بفتح الواو على صيغة المرة . والسنة أول النوم ، قال عدي بن الرقاع : وسنان أقصده النّعاس فرنّقت * في عينه سنة وليس بنائم والنوم معروف وهو فتور يعتري أعصاب الدماغ من تعب أعمال الأعصاب من